الشيخ محمد هادي معرفة

101

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يقرأ على أصحابه فور قراءة جبرائيل عليه ، وقبل أن يستكمل الوحي أو تنتهي الآيات النازلة ، حرصا على ضبطه وثبته ، فنهاه تعالى أيضا وقال : « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 1 » فاطمأنّه تعالى بالحفظ والرعاية الكاملة . فكان رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل ، استمع له ، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه . « 2 » قال تعالى : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » . « 3 » وإشارة إلى هذا النحو من الوحي الذي هونكت في القلب قال صلى الله عليه وآله : « إنَّ روح القدس نفث في روعي » « 4 » وهو سواد القلب ، كناية عن السرّ الباطن ، والمقصود : روحه الكريمة . 3 - الوحي المباشر ولعلّ أكثريّة الوحي ، كان مباشريّا لايتوسّطه ملك ، على ما جاء في وصف الصحابة حالته صلى الله عليه وآله ساعة نزول الوحي عليه ، كان ذا وطءٍ شديد على نفسه الكريمة ، يجهد من قواه وتعتريه غشوة منهكة ، فكان ينكّس رأسه ويتربّد وجهه ويتصبّب عرقا ، وتسطو على الحضور هيبة رهيبة ، ينكّسون رؤوسهم صمودا ، من روعة المنظر الرهيب . قال تعالى : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » . « 5 » قال الإمام الصادق عليه السلام : كان ذلك إذا جاءه الوحي وليس بينه وبين اللّه ملك ، فكانت تصيبه تلك السبتة « 6 » ويغشاه مايغشاه ، لثقل الوحي عليه . أمّا إذا أتاه جبرائيل بالوحي فكان يقول : هو ذا جبرائيل أو قال لي جبرائيل . . . « 7 » قال الشيخ أبو جعفر الصدوق : « إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه وهو ينصاب عرقا ، فإذا أفاق قال : قال اللّه كذا وكذا ؛ أمركم بكذا ونهاكم عن كذا . قال : وكان يزعم أكثر مخالفينا أنّ ذلك كان عند نزول جبرائيل . فسئل الإمام الصادق عليه السلام عن الغشية التي كانت تأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله أكانت عند هبوط جبرائيل ؟ فقال : لا ، إنّ جبرائيل كان إذا أتى

--> ( 1 ) - طه 114 : 20 . ( 2 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 132 . ( 3 ) - الأعلى 6 : 87 . ( 4 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 129 . ( 5 ) - المزمل 5 : 73 . ( 6 ) - هي إغماءة تشبه النعسة . ( 7 ) - محاسن البرقي ، كتاب العلل ، ج 1 ، ص 69 ، ح 121 ؛ وبحار الأنوار ، ج 18 ، ص 271 ، ح 36 .